(جُبَّة) التاريخ.. والآثار..

صورة من متحف النايف
صورة من متحف النايف

مدينة (جُبَّة) شمال جائل عريقة في تاريخها وتكوينها الجغرافي الأكثر غرابة حين يجتمع الرمل مع الجِبال و واحات النخيل في منظر عده الرحالة الذين زاروها من أجمل مناظر الصحراء العربية..
كتابتي لا تستطيع شرح فضائل أهلها وكرمهم، ولا تاريخها لأقتصر على بيت النايف العريق والأسرة الكريمة، وكيف كان لهذا البيت زوار ومقيمون لم ينقطعوا عنه حتى هذا اليوم ومنهم العديد من الرحالة وأشهرهم على الأطلاق (الليدي آن بلنت) التي حلت ضيفًا عليهم عام ١٨٨٠م وسكنت معهم. ما يغري بالموضوع أن المنزل حَوَّلهُ أهله إلى متحف يقتني كل ما كان معروفًا في البادية والحاضرة من أواني وأدوات وسيوف وبنادق ومحَّال وأبواب وأحجار وصور وغيرها. وقد ظل المتحف قِبلة للزوار الأجانب والمواطنين، لكن، رغم الجهد يجمع هذه الثروة التاريخية وحمايتها إلا أن وضعها الراهن من حيث التنظيم والفهرسة، والتواريخ والتخزين من أجل الحفاظ عيها لأزمنة طويلة غير متوفرة، وهذا لا يعزى لقصور من القائمين على المتحف، بل اهتمام هيئة السياحة والآثار التي لا أجد لها بصمة واضحة في احتضان وحماية ذاكرتنا الوطنية التي تمثلها وسائل سوف تزول مع الزمن بفعل المتغير الاجتماعي والتاريخي. ولعل الذين اجتهدوا مثل عائلة النايف بجمع هذه المقتنيات الثمينة وغيرهم من لديهم نفس الجهد يحتاجون إلى مساعدات مادية وتقنية تمد الأجيال القادمة برؤية واقعنا القديم وتسلسله التاريخي. بل إن جَمع ما كُتب سواء المترجم للعربية، أو بقيت نصوصًا في لغات أوروبية أخرى، لابد من وضعه في سياق تاريخ هذه المدينة والمدن الأخرى، وهو جهد لا يستطيع فرد أو عائلة القيام به. بل إن الحاجة إلى الهيئة لتقوم بدورها أسوة بما تقوم به الهيئات على المتاحف العالمية، ورغم إننا في بداية المشوار من حيث الاحتفاظ بهذه الثروات فإن السباق مع الزمن يجعل اهتمامنا بتسريع العمل بدون تعقيدات إدارية ومالية، يتطلب أن لا نركن للإجراءات الطويلة، خاصة وأن العديد من مالكي المقتنيات القديمة يذهب إما لعرضها على هواة جمعها وشرائها، أو تسريبها للخارج من الوافدين الأجانب الذين يعرفون قيمتها التاريخية والمادية مع تقادم الزمن..

"نقش ثمودي من جبة، حائل (هـ.ر ض.ب ك.أ ل هـ هـ.ن م.ش د د.)(يارضا أقتل الآلهة هذا الدعاء لشخص اسمه شداد)". سعد التويجري OfNajd@
نقش ثمودي من جبة. سعد التويجري OfNajd@

جُبَّة نموذجًا للتاريخ والآثار، وقد شهدت في أكثر من زيارة لها أن هناك اهتمامًا بحماية النقوش على الجبال، لكن ليس هذا وحده، وإنما إجراء مسوح لما تختزنه الأرض، حيث تعد من المستوطنات القديمة للإنسان في الجزيرة العربية، ولا بد من إجراء حفريات عشوائية ربما تحدد تواريخ وآثار هذه المدينة حتى يمكن الحفاظ على المواقع من الطمس أو العبث، ولعل الظرف الراهن يساعد على مجالات البحث والتنقيب قبل أن تتسع المدينة وتصبح الآثار المدفونة شُيِّدَ فوقها منازل وأسواق ومرافق أخرى..
عموما لدينا الكثير مما يثري تاريخنا، لكن الحاجة للعمل المباشر والسريع هو ما يجب أن تؤكد عليه الهيئة، إذا كانت تريد أن تكون واجهة قادمة للسياحة الداخلية والخارجية.

إيران ما بعد المرشد..

يذكرنا غياب الزعيم الصيني “ماوتسي تونج” المفاجئ عن شعبه، والتكهنات التي تصاحبها من الشرق والغرب، ثم ظهوره يسبح في مياه النهر ليبدد كل الشائعات والأقاويل..
ما يتداول عن صحة (خامنئي) المرشد الإيراني، والتي أظهرت أن مرضه بسرطان (البروستاتا) لن يعطيه من العمر فترة إضافية، والسبب في تنامي هذه الأخبار وتكهناتها يرجع إلى مستقبل النظام برمته، حيث أن فجوة الأجيال بمن عاصر (الخميني) وما بعده، أو ما يسمى بالجيل الثالث للثورة، وهو النسبة العليا بين المواطنين، هل يفرز دورًا آخر ويعيد صراع المتشددين مع البراغماتيين والإصلاحيين؟ وهل يبقى نظام المرشد أم مجلس قيادي وهو ما سيضع الدولة والثورة والمذهب والسياسة، والتي أصبحت جميعها سلطات مطلقة بيد المرشد، سوف تتحول إلى نظام مغاير يبعد ظل الله في أرضه، والنائب عن الأنبياء كما يزعمون بحيث يبقى النظام يدار بمختلف الأطراف؟..
هذه الأسئلة تعيدنا إلى من سيكون صاحب الدور الفاعل. وهل تقديم بعض الفتات لفقراء الريف الذين يعتمد عليهم النظام وخلافهم مع الطبقات (الأرستقراطية) في المدن الكبرى وأصحاب النزعة الغربية المتفاعل معه، وهي طبقات الأجيال الجديدة، هل ستغير مسار الثورة للدولة؟ ثم ماذا عن المكونات الأخرى التي هبط مستوى تمثيلها الوطني وعزلها من القوميات والمذاهب الأخرى؟ هل تستغل ارتخاء قبضة سلطة الولي الفقيه، وما بعده لخلق اضطرابات جديدة توسع دائرة الخلافات في بلد يشهد تدهورًا اقتصاديًا حادًا مع التزام بتوزيع مداخيل شعبه على حلفاء من حكومات ومذاهب شيعية خلقت طبقة دون خط الفقر بأعداد كبيرة؟..
ثم هل أصبحت ولاية الفقيه وسلطانه التي يدَّعي أنه يستمدها من السماء، بأنها مرحلة تجاوزها الزمن وأن من يرفع شعار الدين بغلاف قومي فارسي يرى أن تراثه ما قبل الإسلام يعلو عليه حضاريًا ويتجاوزه في عصوره المختلفة، وهو النفس والشعار المطروحين من قِبل فئات عديدة ترى أن الفرس يتفوقون على العرب مما أنشأ عقدة أزلية بين القوميتين وذهب إلى صراع المذاهب والطوائف؟
هذا عن الداخل الإيراني، لكن كيف ستحدد معالم السياسة الخارجية، ماذا عن تصدير الثورة، واعتبارها الأساس في التعامل مع المحيط الإسلامي، يعزز ذلك بناء قوة عسكرية تقليدية وما فوق التقليدية أي (النووية). وهل التحالفات مع روسيا وكوريا الشمالية وفنزولا وقوى المستضعفين في العالم، سيكون حزام القوة في نشر مبادئ الثورة وتوطينها خارج إيران، وكيف سيتم التعامل مع الغرب، شياطينه وملائكته، وهو الذي يمارس الضغوط الاقتصادية ويقود الحوار بين الرفض لدولة إيرانية نووية إلا بشروط مقيده، وهل تمدد الحوارات راهن بتطور الأحداث العربية والإسلامية، اللذين ستعطي لهما ميزة المناورة، والاعتراف بالأمر الواقع، والتسليم بما ترغبه، بينما هناك حسابات أخرى تقاس عليها الأبعاد السياسية والمصالح الإستراتيجية لتلك الدول، وأن اعتبار (أوباما) مثلًا رجلًا أقرب لها لتطابق المصالح والتي تجعل أمريكا تفكر بالتعاون مع قوة إقليمية كبرى، كما يُصَوِّر ساسة إيران أنفسهم، بدلًا من أقاليم تتصارع وتتحارب وخاصة في المنطقة العربية، أم أن الغرب يراهن على انقلاب تام داخل المؤسسة الإيرانية نفسها وأن قراءتهم لنزعة الأجيال داخل إيران هي ستغير معالم السلطة الروحية إلى السلطة المدنية، وتغيير الثورة للدولة؟ ..
كل هذه الاستنتاجات قابلة للتأويل والتطبيق، وإيران جزء من أزمات متصاعده حتى في داخلها..

دولة داعش، اختلط العقل بالجنون..!

الحقيقة المرة تذهب إلى أن دولة داعش تشكلت بالعراق وتتأسس بسوريا وتنشط في ليبيا، وأن دواعي وجودها جاء من رغبة لحكومتي سوريا عهد الأسد، والعراق زمن المالكي، ورؤية دول أجنبية تدعي محاربتها، ولم يعد هناك سر أن سقوط مدينة الموصل والرمادي وهروب الجيش العراقي الذي حيَّر الأمركيين وخسارتهم سلاحهم الذي قاموا بإعطائه الحكومة إلا نوع من السكوت وتمرير الأهداف. وإلا كيف تسمح دولة عظمى تخشى، كما تقول، وصول أسلحتها إلى الإرهابيين وتتعامل مع داعش بهذا الوجه وتحرم على المعارضة السورية تقديم مثل هذا العتاد؟
دعونا نقول إن وصول داعش إلى هذا الحجم الكبير لم يكن وفق ظروف مفاجئة بل هناك سيناريو أُعِد ونُفِذ لأن داعش لا ترفع شعارات القاعدة مستخدمة تكتيكات عسكرية وإرهابية لا تراعي أحدًا مغلفة استراتيجيتها على التمدد قبل تحديد مفاهيمها الإديولوجية مما وسمها بخدمة كل الأطراف الإيرانية والحكومة السورية وحزب الله وحتى إسرائيل. بمعنى أن الوجة الذي تخفية هو مدار التساؤل فظاهرها إسلام سني يخدم أطراف تُعادي هذه الطائفة وتتعامل معها من أفق توحيد الأهداف والمصالح..
لنفترض أن بينها وبين إيران عداوات دفعت بأن تجعل من الحشد الشعبي الشيعي العراقي يأخذ مكان الجيش والقوى الأخرى، ويدار من قِبل الحرس الثوري الإيراني ورفض أي تسليح للقبائل أو الأكراد، هل في هذا ما يشير إلى تلاقي العمل الواحد بين إيران و داعش وأن الغاية ضرب السنة بالسنة للوصول إلى سلامة المكون الشيعي؟ وهل هذا الزواج الجديد معرض للطلاق إذا ما تجذرت دولة داعش وأخذت حجمها ليلتف حولها عناصر سنية كبيرة بذريعة قبول عدو يرفع شعاراتهم، على عدو يشردهم ويقتلهم. لكن ماذا عن المستقبل البعيد، هل يبقى تحالف الأضداد قائمًا، وأن ما تخفية سياسة الحليفين ستفضحه القسمة غير السوية، أي أن تتشكل حرب فعلية بين سنة داعش، وشيعة كل من العراق وإيران بغرض كل طائفة تريد تعزيز دورها مع المؤيدين لها، وخاصة أن سنة سوريا قد يجدون فيها المأوى والمخرج في مواجهة كل الأطياف المؤيدة لإيران من حكومات وأحزاب عربية وغيرها ليتبدل المشهد ويقلب الواقع إلى حقائق جديدة تغير في المواقف والأهداف البعيدة؟..
على طرف آخر، كيف سترى تركيا هذا الزحف الجديد، هل تمرر من خلالة مطامعها بسوريا والعراق، وتقبل مواجهة بالنيابة وبواسطتهم فتح جبهات مع إيران ودول عربية أخرى بما فيها داعش ليبيا لتصل إلى حدود مصر التي تختلف معها، ثم ماذا عن إسرائيل التي ترى أن حزب الله والأسد خدما سياستها، كيف ستنظر إلى جوار داعشي يذهب بأفكاره إقامة دولة الخلافة وأنها ناقصة بدون القدس وأراضي فلسطين؟..
اللعبة تكبر وقد يكون لبنان الهدف القادم لداعش، وربما تزيد التعقيدات السياسية والعسكرية لو تعهدت فرنسا حمايته بقوة على الأرض، كيف ستكون الأوضاع ومن سينتصر ويحتفل بهزيمة غريمه؟